


فتحت ليان قبضتها، وحرّرت شريط علم الصلاة الأصفر من جيبها المبلل. حمله نسيم القمة عاليًا، فرفرف بين مخالب التنين الزبرجدي والسماء المفتوحة. لم يبق حذاء ولا طين ولا عجلة، بل ليان واقفة على قمة جبل هادئ، تضحك مع صديق أخضر ضخم. وهناك، حيث ينطفئ الذهبي أخيرًا، بقي الشريط يرقص فوق الجبل وحده.
نسخة وحيدة من نوعها. ملكك إلى الأبد.
قصة من Lumora
طُبعت من أجل ليان
lumora.kids

طوى التنين رقبته الطويلة، كما ينحني جدٌّ لطفلته العائدة من مشوار بعيد. «لقد صنعتِ طريقكِ بكفاءة يا ليان»، قال بصوت يشبه حفيف الصنوبر. وقفت ليان بلا حذاء واحد وقدمٍ موحلة، لكنها ابتسمت كأنها ملكة الجبل كله. مدّ التنين خطمه الزبرجدي نحوها، وكأنه يعرفها منذ عمر طويل.


وصلت ليان أخيراً إلى الحافة الأخيرة، حيث توقّف الجسر عن الاهتزاز تحت قدميها. تسلّل الضباب حولها بارداً، ثم انشقّ فجأة عن رأس زبرجدي ضخم لامع. جمدت ليان في مكانها، ويدها معلّقة في الهواء كأنها نسيت لماذا رفعتها. كان تنيناً، بحجم بيت القرية كله، ينظر إليها بعينين هادئتين.


وضعت ليان قدمها على أول لوح خشبي، فصرّ تحتها كأنه يتثاءب. لم تنظر إلى الأسفل، بل ثبّتت عينيها على الأعلام الملونة ترقص أمامها كأنها تدلّها على الطريق. خطت خطوة، ثم أخرى، والجسر يتمايل قليلاً تحت قدميها الخفيفتين. في الأفق البعيد سالت الشلالات ذهبية تحت شمس تودّع النهار.


وقفت ليان عند حافة المضيق، وأمامها جسرٌ من الحبال يتأرجح فوق هوّة عميقة. رفرفت عليه أعلامٌ صغيرة بخمسة ألوان، تصفّق في الريح كأنها تصفّق لوصولها. عدّت ليان الألواح الخشبية، واحداً، اثنين، ثلاثة، حتى ضاعت في الضباب الذهبي. «طريقٌ واحد فقط يبقى»، همست لنفسها، وقبضت على الحبل البارد.


قفزت ليان القفزة الأخيرة، وانشقت الأشجار أمامها كستارة مسرح قديمة. غمرها ضوء ذهبي دافئ، فرمشت عيناها من فرط البهجة. لم تعد تحمل عصا ثقيلة تعثّر خطوها، وها هي حافة الجبل تنفتح أمامها كصفحة بيضاء. صاحت بصوت يملؤه الفرح: «وصلتُ قبل أن يغيب الذهبي!»


رمت ليان عصا المشي في الأعشاب، فقد صارت ثقلاً لا داعي له. قفزت من جذع إلى صخرة، ومن صخرة إلى جذع، خفيفة كعصفور يقرر أخيراً أن يطير. ضحكت وهي تتوازن على قطعة خشب مهتزة، والطين يلعق حذاءها من بعيد دون أن يمسكه. لم تعد قدماها تغرقان، بل ترقصان.


انتشلت ليان حذاءها الأحمر من قبضة الطين بصوت "شلوب" مضحك. نظرت إلى الجذوع الساقطة، ثم إلى الطين، ثم إلى الجذوع مرة أخرى. "أقدام خفيفة إذن", قالت لنفسها وهي تربط رباط حذائها بسرعة. لم يكن عليها أن تحارب الطين، بل أن تقفز فوق رأسه.


هزّ التيس قرنيه ونظر إلى ليان بعين واحدة، كأنه يزنها من رأسها إلى قدمها الحافية. «هذا المسار للأقدام الخفيفة فقط!» نادى بصوتٍ يشبه صرير الباب. «الطين يأكل الثقلاء يا ليان، وأنتِ تحملين همّ حذاء كامل!» ثم قفز فوق جذعٍ آخر بخفة لم تُصدّقها ليان.


وقفت ليان على قدم واحدة، بلا حذاء، تتفحص المستنقع بحذر شديد. وهناك، فوق جذع شجرة ساقطة، لمحت تيساً أشعث يقف بثبات كأنه على أرض صلبة. رفع التيس رأسه ونظر إليها بعينين صفراوين لامعتين، وكأنه يعرف سرها منذ زمن بعيد. لم تفهم ليان بعد كيف يقف بلا طين على قدميه، لكنها اقتربت خطوة، فضولية.


شدّت ليان ساقها بكل ما عندها من عزم، مرة، ثم مرة أخرى. فجأة انخلع الحذاء الأحمر عن قدمها، وغرق وحيداً في قاع الطين اللزج. وقفت ليان على جورب مبلل، تحدّق في الحفرة التي ابتلعت حذاءها. «حسناً»، قالت لنفسها، «سأكمل الطريق بقدم واحدة حافية إذاً».


غاص التراب تحت قدمي ليان فصار طينًا لزجًا في كل خطوة. ابتلع حذاؤها الأحمر أول مرة، فسحبت قدمها بصوتٍ يشبه فقاعة تنفجر. نظرت خلفها، فوجدت أثرها البعيد قريبًا جدًا رغم كل هذا الجهد. الشمس تنزلق فوق الأشجار، وليان لا تكاد تتحرك.


غاصت ليان بين أشجار الصنوبر، وطقطقت الأمطار على قشورها كأنها تكتب رسالة سرية. رفعت رأسها فما رأت السماء، غطاها سقف أخضر كثيف. طبّلت قطرة على أنفها فضحكت، وتابعت صعودها بخطى واثقة نحو الأعلى. كانت القمة ما تزال بعيدة، والشمس لا تنتظر أحداً.


وقفت ليان عند آخر بيت حجري في القرية، وحذاؤها الأحمر مربوط بعقدة مزدوجة على شأن يستحق تلك العناية. رمقت قمة جبل هادئ البعيدة، ثم رمقت الشمس المتدلية فوقها كتفاحة توشك أن تسقط. «لديّ حتى تختفي تمامًا»، قالت لنفسها بصوت واثق أكثر من ركبتيها. ثم خطت خطوتها الأولى نحو الغابة، وكأن الجبل ينتظرها هي بالذات.

إلى ليان
تتسابق ليان مع الضوء الأخير عبر الغابة المبللة للوصول إلى قمة الجبل قبل أن يغيب الذهبي.
قصة من Lumora
طُبعت من أجل ليان



