


دنا الدب الفضي، ووضع كفّه المضيئة على قربٍ من عمر، لا تلمسه بل تكاد. "كلُّ خيطٍ يبقى مربوطًا ما دام أحدٌ يتذكّر أن ينظر"، قال بصوته الذي يشبه رنين الفضة. "سأنظر"، قال عمر، وفي صدره شيء ما دافئ يشبه نجمة صغيرة. ثم مدّ إصبعه، فلمس طرف الخيط الأخير، وابتسمت القبّة كلّها بضوئها.
نسخة وحيدة من نوعها. ملكك إلى الأبد.
قصة من Lumora
طُبعت من أجل عمر
lumora.kids

جلس عمر على درجة من الكتب، وسط الجدران المضيئة بالقصص. تبع بعينيه خيطًا يخرج من صفحة مفتوحة، يعبر الهواء، يستقر بين نجمتين بعيدتين. لم يعد يحتاج أن يفكر كثيرًا؛ صار يعرف — هذا الخيط للثعلب، وذاك للبجعة. شيء ما استقر في صدره، هادئ كالضوء نفسه.


هزّ الثعلبُ ذيله فانسكبت من طرفه حكايةُ صيدٍ قديمة على الجدار، تركض وتتوقف كأنها تلهو بعمر وحده. رفرف النسر بجناحٍ فضيّ، فطارت من ريشه خريطةُ سماءٍ بلا نهاية. غنّت البجعة بلا صوت، وغنّى ضوؤها بدلًا منها. ضحك عمر، فقد صارت المكتبة كلّها مسرحًا يلمع، ولا ظلّ فيه يختبئ.


ما إن استقام الدرج تحت قدميه حتى انسلّ ثعلبٌ فضي من بين النجوم، خطواته أخفّ من همسة. تبعه نسرٌ يفرد جناحين من ضوء بارد، وبجعة تنحني كأنها تعرف عمر منذ زمن. التفّت الأبراج الثلاثة حوله على الدرجة المضيئة، وكل واحد منها يلمع كأنه يبتسم. ضحك عمر، وقد شعر فجأة أن السلم كله يتنفس معه.


مرّر عمر إبهامه على الخيط الرفيع، ببطء، كأنه يمسح غبارًا عن نجمة. اهتزّ الضوء تحت أصبعه، ثم انفجر ذهبًا في كل اتجاه. تلألأت الدرجات تحت قدميه واحدة تلو الأخرى، حتى صار السلم كله نهرًا من النور. ضحك عمر، وصعد.


حدّق عمر في الصفحة المفتوحة، فرأى خيطًا من الضوء يكاد لا يُرى يخرج من كل كلمة. تسلّل الخيط بين أصابعه، عبر الهواء، حتى بلغ نجمة واحدة فوق القبة. عدّ عمر الخيوط بصمت — كلمة، نجمة، كلمة أخرى، نجمة أخرى. ابتسم عمر: الكتاب لا يحكي القصة وحده، بل يرسم طريقها إلى السماء.


توقف عمر في منتصف السلم، وترك رنين الفضة يهدأ في أذنيه شيئًا فشيئًا. رفع وجهه بالكامل نحو الأعلى، لا نحو الغلاف بل نحو الصفحة المفتوحة فوقه. سالت أضواء الكتب على ملامحه كأنها ماء رقيق من ذهب. شيء ما في تلك الصفحة كان يريد أن يُرى، لا أن يُقرأ فحسب.


رنّ صوت الدب الفضي كأنّه قطعة فضة تُقرَع في الظلام. "الغلاف يشبه النجمة أحيانًا،" قال، "لكنّه ليس هي." أمسك عمر حافة الدرجة المائلة، يبحث عن موطئ لا يميل. "إذن بم أُطابق؟" سأل، والدرج يهمس تحته بضوء يكاد ينطفئ.


لكن الغلاف الذهبي خفت فجأة تحت قدم عمر، وكأنّه زفر آخر أنفاسه. مالت الدرجة قليلًا، ثم قليلًا أكثر، حتى صار الصعود يشبه تسلّق تلٍّ من الرمل. حدّق عمر في النجمة البعيدة، ثم في الكتاب الخافت بين يديه، ولم يفهم أين أخطأ. شيء ما في السماء لم يكن يشبه الألوان أبدًا.


لم يتزحزح الدب عن مكانه، فتفحّص عمر الأغلفة تحت قدميه بحثًا عن ثغرة. لمح غلافًا أزرق يشبه لون نجمة تومض فوق قرن الدب تمامًا. "هذا هو الطريق"، همس لنفسه، ووضع كفّه على الغلاف الأزرق أملًا في أن يفتح له درجة جديدة. أضاء الكتاب لحظة، وكأنّه يوافقه الرأي.


لم يخفت الضوء تحت قدمي عمر حتى انشقت القبة فوقه، ونزل منها شيء فضي يلمع كقطرة حليب باردة سقطت من السماء. تجمّع النور، صار فراء، صار مخالب، صار دبًّا هائلًا يقف على الدرجة الثالثة بلا صوت. حدّق عمر في عينيه؛ نجمتان صغيرتان تتقدان مكان العينين. "لن تمر من هنا،" قال الدب، وصوته يرنّ كجرس فضة بعيد، "حتى تعرف الطريق بنفسك."


وضع عمر طرف حذائه على الدرجة الأولى، وكانت غلافَ كتاب سميكًا كأنه صخرة نائمة. فانتشرت تحت قدمه موجة ذهبية، تشقّ سواد الغلاف كأنّ ماء النور انسكب فجأة. ضحك عمر من الدغدغة الغريبة في أخمص قدمه، ونظر إلى الدرجة التالية تنتظره. "درجة واحدة فقط؟" سأل نفسه، وقد صار السلم كله يتنفّس ضوءًا تحت خطواته.


ثم لمح عمر شيئًا في الظل، على يمين القبة تقريبًا: سلّمًا حلزونيًا يتلوّى صاعدًا كأنه دخانٌ متجمّد. كل درجة فيه كتاب ضخم بغلاف سميك، تخرج من حوافه أنفاسٌ ذهبية خفيفة. صعد السلّم عاليًا، عاليًا، حتى ابتلعه سواد السقف البعيد. وقف عمر يتابعه بعينين متّسعتين، وشيء في صدره بدأ يشدّه نحو أول درجة.


دفع عمر بابًا ثقيلًا فابتلعه سواد قاعة مكتبة النجوم. فوقه، تمدّدت قبة مظلمة تلمع بنقاط بعيدة، كأن أحدًا نثر رمادًا من ضوء. سمع نأمة خافتة، تكاد تكون تنفّسًا، تنزل من الأعلى. "كيف تحكي نجمة بعيدة كهذه حكايتها؟" سأل نفسه، ورأسه مائل إلى الوراء تمامًا.

إلى عمر
عمر يتسلق سلماً من الكتب المضيئة في مكتبة النجوم ليكتشف كيف تحكي الأبراج السماوية حكاياتها.
قصة من Lumora
طُبعت من أجل عمر



